الشريف المرتضى

160

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

يثبت القياس يجب ألّا يعرف ذلك ، ولو ورد التعبّد بالمنع من القياس لكان يجب ألّا يكون ما ذكرناه مفهوما ، ونحن نعلم ضرورة أنّ قولهم : « فلان مؤتمن على القنطار » أبلغ من قولهم : « إنّه مؤتمن على كلّ شيء » ، وقولهم : « ما يملك نقيرا ولا قطميرا » أبلغ من قولهم : « إنّه لا يملك شيئا » ، وإنّما اختصروا للبلاغة والفصاحة ، ولهذا يعدّون مناقضا من قال : « لا تقل له أفّ ، واستخفّ به » ، أو قال : « فلان لا يملك نقيرا ، ومعه ألوف الدّنانير » . وأمّا طريقة التّعليل ؛ فأكثر ما فيها أن يعقل من قوله عليه السّلام : « إنّها من الطّوّافين عليكم والطّوّافات » تعليق الحكم بهذه الصفة ، فمن أين تعدّيه إلى كلّ ما كانت له هذه الصفة ، وذلك إنّما يكون بالعبادة بالقياس ، وإلّا لم يكن مستفادا . فأمّا الزّجر ؛ فالأولى أن يكون قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ « 1 » - إذا ثبت أنّه زجر عن السرقة - أنّ القطع إنّما كان لأجل السّرقة . والأغلب في العادة والتّعارف أنّ من أوجب شيئا ، فقد أوجب ما لا يتمّ إلّا به . فأمّا ما لا يستقلّ بنفسه ، ويحتاج إلى بيان ؛ فهو على ضربين : أحدهما : يحتاج إلى بيان ما لم يرد به ممّا يقتضي ظاهره كونه مرادا به كقوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما « 2 » و الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ « 3 » . وقد ذهب قوم إلى أن ذلك كالمجمل في أن ظاهره لا يدلّ على المراد ، وهذا الوجه له باب مفرد يذكر في موضعه والخلاف فيه ، بمشيّة اللّه ، ويدخل في هذا القسم النسخ ؛ لأنّ الدليل المتقدّم إذا علم بلفظه أو بقرينة أنّ المراد به الامتثال في جميع الأوقات المستقبلة ؛ فلا بدّ من الحاجة إلى بيان ما لم يرد به ، ممّا يفيده النّسخ . ويدخل في هذا القسم ضروب المجازات ؛ لأنّ الخطاب إذا ورد ، فلو خلّينا وظاهره ؛ لاقتضى ما لم يرد منّا ، فلا بدّ من الحاجة إلى البيان .

--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 38 . ( 2 ) المصدر نفسه . ( 3 ) سورة النور ، الآية : 2 .